جدة – صلاح الشريف
في هذه الزاوية نلتقي الدكتورة المهندسة بسمة محمد زين الدين الزين، باحثة ومخترعة متخصصة في تقنية النانو والطاقة المستدامة، وقيادية أكاديمية تتمتع بخبرة تتجاوز خمسة وعشرين عامًا في التعليم والبحث العلمي والابتكار والحوكمة وريادة الأعمال
تشغل منصب المدير العام لوادي التقنية بجامعة الأعمال والتكنولوجيا في جدة منذ عام 2022في هذا الحوار:
حدثينا عن دور تقنية النانو في قطاع الطاقة المستدامة؟
نعمل في تقنية النانو على هندسة المادة على المستوى النانوي، وصولًا إلى التحكم بتركيبها الذري، لتحسين خصائصها وأدائها. وفي الخلايا الشمسية من الجيل الثالث، تتيح النقاط الكمومية ضبط فجوة الطاقة بتغيير حجمها وتركيبها، مما يساعد على تصميم خلايا تستفيد من نطاق أوسع من الطيف الشمسي. كما يمكنها، في ظروف محددة، توليد أكثر من زوج إلكترون–فجوة من فوتون واحد عالي الطاقة، بما يفتح آفاقًا لزيادة كفاءة التحويل. ونسعى بهذه التقنيات إلى تحقيق أداء أعلى باستخدام كميات أقل من المواد وطبقات رقيقة وخفيفة ومرنة. وتمتد تطبيقات النانو أيضًا إلى تطوير البطاريات والمكثفات الفائقة ومحفزات إنتاج الهيدروجين.
ما فكرة اختراعكِ المتعلق بالخلايا الشمسية؟
يرتكز الاختراع الذي شاركت في تطويره على تصنيع بنى نانوية من أكسيد الزنك باستخدام الترسيب بالليزر النبضي، تشمل جدرانًا تشبه خلايا النحل وأسلاكًا نانوية، بما يدعم تطوير مكونات الخلايا الشمسية وتحسين نقل الشحنات. وقد تُوّج هذا العمل بحصولي على جائزة مكة للتميز، كما سلّطت المنظمة العالمية للملكية الفكرية «الويبو» الضوء على تجربتي بوصفـي إحدى أوائل النساء العربيات من المملكة العربية السعودية الحاصلات على براءة اختراع في تقنية النانو لتطبيقات الطاقة الشمسية. وأعتز بهذا التقدير الذي يعكس قيمة المثابرة والعمل البحثي الجماعي.
ماذا عن معضلة تخزين الطاقة؟ وما حلول النانو لها؟
تخزين الطاقة ضروري للاستفادة من الشمس والرياح عند غيابهما. ومن اهتماماتي البحثية تطوير الإلكتروليت الصلب، وهو الوسط الناقل للأيونات داخل البطارية، للحد من التسرب وتحسين الأمان، مع معالجة تحديات التوصيل والتلامس مع الأقطاب. ونستكشف استخدام الكربون النانوي لتحسين توصيل الأقطاب، وأحبار نانوية لتصنيع بطاريات مطبوعة خفيفة ومرنة يمكن دمجها في الأجهزة القابلة للارتداء. كذلك نهتم ببطاريات المعدن والهواء، التي تستخدم أكسجين الهواء في تفاعلاتها، وتوظيف الكربوني النانوي،، ضمن القطب الهوائي لدعم نقل الإلكترونات والمحفزات. ويبقى التحدي تحقيق كثافة طاقة مرتفعة مع استقرار التفاعلات وعمر تشغيلي مناسب.
كيف توازنون بين الابتكار والأمان البيئي والصحي؟
تُعد حماية البيئة ومواجهة التغير المناخي من أبرز الأولويات التي تؤكدها أهداف الأمم المتحدة للتنمية المستدامة. وقد أجريت دراسة موسعة ونشرت بحثًا حول دور تقنية النانو في خدمة الأهداف السبعة عشر، ومنها العمل المناخي. بالنسبة لي، الابتكار هو تقديم الجديد بأثر إيجابي للإنسان والبيئة. ولهذا نتجه إلى مواد وطرق تصنيع أكثر مراعاةً للبيئة، مع إدراك أن ذلك لا يعني انعدام المخاطر؛ فحتى المواد ذات الفوائد البيئية قد تصبح ضارة عند تجاوز تراكيز أو مستويات تعرض معينة. لذلك يجب تقييم الكمية المستخدمة وطبيعة التعرض، لضمان أن تكون الفائدة مقرونة بالاستخدام المسؤول.
كيف ترين مستقبل استثمارات النانو في المنطقة العربية ورؤية السعودية 2030؟
أرى فرصًا واعدة في الطاقة والمياه والصحة والتصنيع المتقدم. وتوفر توجهات رؤية السعودية 2030 نحو التنويع الاقتصادي والابتكار بيئة مهمة لهذه التطبيقات. ولتحويل الفرص إلى استثمارات، نحتاج إلى تمويل يمتد من إثبات الفكرة إلى التصنيع التجريبي، وشراكات صناعية مبكرة، وملكية فكرية واضحة. المستثمر يحتاج إلى حل لمشكلة حقيقية، وبيانات أداء موثوقة، ومسار تجاري قابل للتنفيذ.
ما نصيحتكِ للشباب والشابات الراغبين في هذا التخصص؟
ابدؤوا بأساس متين في الفيزياء والكيمياء والهندسة، ثم تعلموا العمل بين التخصصات. ادخلوا المختبر، واسألوا، وطوروا مهارات التحليل والكتابة العلمية. والأهم ألا تختاروا النانو لجاذبية الاسم؛ اختاروا مشكلة تستحق الحل. الصبر والأمانة العلمية والعمل الجماعي عناصر أساسية، والتجربة التي لا تنجح قد تمنحكم فهمًا يقود إلى اكتشاف أفضل.
ما أبرز التحديات التي واجهتكِ؟
من أبرز التحديات ضبط ظروف تصنيع البنى النانوية وتكرار النتائج، والحصول على الوقت والتمويل والتجهيزات اللازمة. وهناك تحدي الانتقال من نتيجة مخبرية إلى تطبيق يمكن تصنيعه والاستفادة منه. أما الجمع بين البحث والمسؤوليات القيادية، فيتطلب ترتيبًا مستمرًا للأولويات. تعلمت أن المثابرة ضرورية، وأن بناء فريق متكامل لا يقل أهمية عن الفكرة نفسها.
ما إسهاماتكِ في ربط البحث العلمي بقطاع الأعمال؟
من خلال مسؤولياتي في جامعة الأعمال والتكنولوجيا ووادي التقنية، عملت على تطوير الشراكات مع الصناعة، ودعم الاحتضان والتسريع والنماذج الأولية وحماية الملكية الفكرية. أؤمن بضرورة فهم احتياجات السوق مبكرًا، وربط الباحث بالجهات القادرة على تطوير ابتكاره وتمويله وتصنيعه. فالجامعة تستطيع أن تكون مصدرًا للمعرفة ولحلول تنموية واقتصادية.
كيف وجدتِ إقبال الفتاة السعودية؟
لمست شغفًا وطموحًا واستعدادًا للمنافسة لدى الطالبات والباحثات المشاركات في الأنشطة العلمية والابتكارية، ومن النماذج الملهمة طالبات «موهبة» المتميزات من منطقة مكة المكرمة، بما يحملنه من فضول علمي وأفكار إبداعية وإصرار على الإنجاز. وأرى أن دعم هذا الإقبال يحتاج إلى فرص عملية في المختبرات، وإرشاد مستمر، ومسارات واضحة نحو القيادة وريادة الأعمال. وجود القدوات مهم، وإتاحة الفرصة لإثبات القدرة وتحويل الموهبة إلى إنجاز ملموس لا تقل أهمية.
كلمة أخيرة؟
أتطلع إلى أن تتحول أبحاثنا إلى حلول تحسّن حياة الإنسان وتترك أثرًا مستدامًا. وأقول لكل شاب وشابة: احرصوا دائمًا على ترك بصمة إيجابية أينما كنتم، وثقوا بقدراتكم، ولا تستسلموا مهما واجهتم من تحديات. ابنوا طموحكم بالعلم والعمل والمثابرة، واجعلوا السماء سقفًا لأحلامكم.

