جدة – صلاح الشريف
في هذا اللقاء نتحاور مع الفنانة المهندسة وسيدة الأعمال هتون الشريف الذي حولت هوايتها الفنية إلى مسار حياة وأصبح الفن التشكيلي طريق للعلاج ونترككم مع هذا الحوار مع هتون:
بدايتك مع الفن؟
بدأت علاقتي مع الفن منذ الطفولة، حين كان الرسم بالنسبة لي وسيلة طبيعية للتعبير عن أفكاري ومشاعري. كنت أجد في الورقة البيضاء مساحة مفتوحة للحوار مع نفسي، أضع عليها ما يدور في داخلي دون قيود. ومع مرور الوقت أدركت أن الفن ليس مجرد جمال بصري أو مهارة تقنية، بل لغة عميقة يمكنها أن تكشف الكثير عن الإنسان ونفسيته. هذا الإدراك المبكر جعلني أتعامل مع الفن كمسار حياة، وليس مجرد هواية عابرة.
من الذي دعمك؟
نشأت في عائلة تقدّر التعليم والثقافة، وكان هذا المناخ داعمًا لتطوير اهتماماتي المختلفة. الدعم الحقيقي كان في إتاحة الفرصة للتعلم والتجربة، لكن الدافع الأكبر كان قناعتي الشخصية بأن الفن رسالة إنسانية قادرة على التأثير في الناس وإثارة التفكير والتأمل.
الأقرب لهتون: الفن أم هندسة الديكور أم سيدة الأعمال؟
الفن هو الأقرب لي بلا شك، لأنه الجذر الذي انطلقت منه بقية المجالات هندسة الديكور بالنسبة لي هي امتداد للفن ولكن في الفضاء المكاني، حيث تتحول اللوحة إلى بيئة يعيش فيها الإنسان وتتفاعل معه الألوان والخامات والإضاءة أما جانب الأعمال فهو جزء من تكويني الشخصي، فقد نشأت في عائلة تعمل في مجالات البزنس وإدارة الأعمال، لذلك تربيت على هذا الفكر وأصبح جزءًا من شخصيتي وطريقة تفكيري في تنظيم المشاريع وتحويل الأفكار إلى واقع عملي.
كيف توفقين بينهم؟
لا أرى هذه المجالات متعارضة، بل أراها متكاملة. الفن يمنح الفكرة والرؤية الإبداعية، التصميم يمنحها حضورًا في المكان، وإدارة الأعمال تمنحها القدرة على الاستمرار والتوسع. هذا التكامل يسمح لي بأن أتعامل مع الفن ليس فقط كإبداع فردي، بل كمشروع فكري وثقافي يمكن أن يصل إلى المجتمع.
كيف بدأ طريقك مع العلاج بالفن؟
كانت نقطة التحول عندما حضرت مرحلة الماجستير في علم النفس التربوي. خلال دراستي بدأت ألاحظ تشابهًا مثيرًا بين جلسات التحليل والعلاج النفسي وبين ما يحدث داخلي أثناء ممارسة الرسم. لاحظت أن عملية الرسم نفسها تشبه نوعًا من التفريغ والتحليل الداخلي للمشاعر والأفكار. هذا الاكتشاف دفعني للبحث والقراءة بشكل أعمق في مجال العلاج بالفن، ومع الوقت شدّني هذا الربط بين الفن وعلم النفس، فقررت التخصص في دراسة العلاج بالفن والعمل على فهم آلياته وتأثيره على الإنسان.
ما الذي يميز الرسم كوسيلة علاجية مقارنة بطرق أخرى؟
الرسم يمتلك ميزة أساسية وهي أنه يتجاوز اللغة. كثير من الناس يجدون صعوبة في التعبير بالكلمات عن مشاعرهم أو تجاربهم، لكن اللون والخط والشكل يسمحون بخروج هذه المشاعر بشكل عفوي وطبيعي. لذلك يوفر الرسم مساحة آمنة وغير مباشرة للتعبير، وهو ما يجعله فعالًا مع الأطفال والكبار على حد سواء.
كيف تسير جلسات العلاج بالرسم؟
تبدأ الجلسة عادة بتهيئة بيئة هادئة يشعر فيها الشخص بالأمان والراحة. بعد ذلك يُطلب منه التعبير بالرسم بشكل حر أو من خلال موضوع بسيط. ثم يتم التأمل في العمل الفني وتحليل عناصره مثل الألوان والرموز والتكوين، لفهم ما يمكن أن تعكسه من مشاعر أو أفكار داخلية. وفي مراحل لاحقة يمكن استخدام الرسم مرة أخرى كوسيلة للتفريغ النفسي أو لإعادة صياغة المشاعر بطريقة أكثر إيجابية.
مواقف أثرت فيك في هذا الجانب؟
من أكثر اللحظات تأثيرًا بالنسبة لي عندما يكتشف الشخص شيئًا عن نفسه من خلال لوحة رسمها دون تخطيط مسبق. أحيانًا عمل فني بسيط يكشف فكرة أو شعورًا كان مخفيًا لسنوات، وهذه اللحظة تؤكد لي قوة الفن كوسيلة للفهم والتشافي.
رسالة حول العلاج بالفن؟
رسالتي أن الفن ليس ترفًا، بل حاجة إنسانية عميقة. ليس من الضروري أن يكون الإنسان فنانًا محترفًا ليستفيد من الفن، فمجرد الإمساك بريشة وألوان يمكن أن يكون بداية رحلة لفهم الذات والتصالح معها، واكتشاف مساحات ج
ديدة من الوعي والهدوء الداخلي.
