تكتفي معظم الشركات برصد عمليات البحث التي يجريها العميل، في حين تدرك الشركات الأكثر ذكاءً أن العميل نفسه قد يعود في كل مرة باحتياجات مختلفة تماماً، وتتعامل معه على هذا الأساس. ولتوضيح ذلك، يمكن النظر إلى حالة سارة، التي تسافر باستمرار وتعتمد على منصات متخصصة مثل ويجو وإكسبيديا. ففي أحد الأسابيع، تبحث عن رحلة ذهاب سريعة من دبي إلى الرياض لحضور اجتماع مع أحد العملاء، ويكون موعد الرحلة أولويتها الأساسية بصرف النظر عن سعر التذكرة. وبعد ستة أسابيع، تعود للتخطيط لعطلة عائلية مدتها عشرة أيام في جزر المالديف، لكن أولوياتها هذه المرة تختلف تماماً، إذ تركز على الميزانية وتشترط رحلة مباشرة تناسب أطفالها. العميلة هي نفسها والحساب لم يتغير، لكن احتياجاتها تبدلت بالكامل.
وهنا يكمن جوهر تحدٍ متنامٍ يواجه المسوقين في مختلف أنحاء المنطقة، ويتمثل في القدرة على إدراك اختلاف احتياجات العميل باختلاف السياق. ومع تراجع الاعتماد على تقنيات تتبع المستخدمين التابعة لجهات خارجية، تتجه شركات عديدة إلى تعزيز اعتمادها على بيانات الطرف الأول التي تجمعها عبر مواقعها الإلكترونية وتطبيقاتها. والتوجه في حد ذاته صائب، إلا أن التنفيذ غالباً ما يظل دون المستوى المطلوب.
تراجع تقنيات التتبع الخارجية يستدعي إعادة النظر لا القلق
على مدى سنوات، ارتكز المفهوم السائد للتسويق الرقمي في المنطقة على بيانات الجهات الخارجية، والمتمثلة في البيانات المشتراة أو المستأجرة من منصات خارجية لبناء ملفات تعريف الجمهور واستهداف الإعلانات. لكن هذه المرحلة توشك على الانتهاء، ومصادر البيانات الخارجية تتجه على الانحسار بفعل التغييرات العالمية في معايير الخصوصية، والقوانين الجديدة لحماية البيانات في المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات التي دخلت حيز التنفيذ في السنوات الأخيرة، إلى جانب تنامي وعي المستهلكين.
وقد تَمثل رد الفعل التلقائي للعديد من الشركات في تحصين أنظمة إدارة علاقات العملاء، وتكثيف قنوات جمع البريد الإلكتروني، مراهنةً على أن سجلات المشتريات ستعوض هذا النقص. لكن هذا المنظور يغفل حقيقة بالغة الأهمية، وهي أن القيمة الحقيقية لسلوك العملاء لا تتحدد بنوع المشتريات، بل بكل أنشطتهم التي تسبق عملية الشراء.
مسار التفاعل الرقمي: منجم بيانات تغفل عنه معظم الشركات
كل عملية بحث يجريها العميل، وكل منتج ينقر عليه، وكل خيار تصفية يستخدمه، تشكل مجتمعةً سلسلة من التفاعلات البسيطة التي تكوّن ما يسميه الباحثون “رحلة العميل”، وهي مسار من البيانات السلوكية يُجمع بالكامل عبر منصة الشركة نفسها، ويزخر بمعلومات تفوق بكثير ما توفره سجلات المعاملات.
وتوضح الأبحاث الأكاديمية الحديثة مدى ثراء هذه البيانات. ففي دراسة تناولت إحدى منصات السفر الإلكترونية الكبرى، وجد الباحثون أنه بعد نقرتين فقط من بدء جلسة البحث، استطاعت المنصة التنبؤ بشركة الطيران التي يفضلها العميل بدقة تزيد بنسبة 25% مقارنة ببداية الزيارة. وبعد خمس نقرات، ارتفعت دقة التنبؤ بنسبة 73%، فيما أتاح الجمع بين بيانات النقرات الآنية وسلوك العميل في رحلاته السابقة التنبؤ بعملية الشراء النهائية بدقة بلغت عشرة أضعاف الأنظمة التي تعتمد على سجل المشتريات وحده.
والبيانات اللازمة لفهم العملاء بصورة أفضل موجودة أساساً على خوادم الشركات؛ فالفجوة لا تكمن في جمعها، بل في القدرة على تحليلها وفهم دلالاتها.
أسباب استمرار الشركات في اعتماد الأسلوب الخاطئ
يكمن الخطأ الجوهري الذي ترتكبه الشركات في التعامل مع كل زيارة للعميل وكأنها من الشخص نفسه ووفق الاحتياجات ذاتها. فعلى سبيل المثال، سارة التي تحجز رحلة عمل مدفوعة التكاليف في شهر ما، ثم تتولى في الشهر التالي دفع تكاليف قضاء عطلة عائلية من مالها الخاص، تُعتبر عميلة مختلفة في كل مرة؛ إذ تتبدل أولوياتها، واهتمامها بمستوى الأسعار، وقدرتها على تحمّل التوقف في بعض المحطات، تبعاً لتغير الظروف والاحتياجات.
إن معظم أنظمة التسويق غير مصممة لتمييز هذا الاختلاف. فهي تجمع كل أنماط سلوك العملاء في ملف شخصي واحد، وتتوقع خطوة العميل التالية بناء على أنشطته السابقة وليس على احتياجاته الحالية، مما يؤدي إلى تكرار الإعلانات التي تلاحق المستخدم بعروض شركات الطيران الاقتصادي بعد أن أمضى وقتاً طويلاً في البحث حصرياً عن رحلات الطيران المباشرة والفاخرة. فرغم توفر البيانات لم يتم تفسيرها بالطريقة المناسبة.
وأظهر بحثنا أن العملاء يندرجون بشكل طبيعي ضمن فئات مختلفة بحسب أنماط رحلة العميل، والتي لا تتحدد وفقاً لهويتهم الشخصية، بل لاحتياجاتهم في مناسبة محددة. وقد رصدنا في قطاع السفر وحده 22 نمطاً من هذا النوع، تتراوح بين الرحلات الداخلية الفردية المحجوزة في اللحظات الأخيرة والعطلات العائلية المحجوزة قبل أشهر. كما وجدنا أن العميل نفسه قد يندرج ضمن أنماط مختلفة تماماً من زيارة إلى أخرى.
وعندما ارتكزت حملات إعادة الاستهداف على معلومات حول نمط رحلة العميل، بدلاً من مجرد عرض آخر منتج نقر عليه، تحسنت معدلات النقر بنسبة تتراوح بين 28 و32%. وهذا ليس مكسباً هامشياً، بل هو الفرق بين حملة إعادة استهداف تُغطي تكاليفها وأخرى لا تُغطيها.
انعكاس هذا النهج على مفهوم التخصيص في المنطقة
يكتسب هذا النهج أهمية بالغة لدى المسوقين في منطقة الخليج والشرق الأوسط؛ فالسوق الرقمي في المنطقة يمر بمرحلة نضج متسارعة تشهد منافسة محتدمة. والشركات التي ستنجح في تحليل المؤشرات الآنية المستمدة من بيانات الطرف الأول ستكتسب ميزة تنافسية راسخة مقارنة بالشركات التي تعتمد على سجلات المشتريات أو بيانات الجهات الخارجية التي يتراجع توافرها.
ويبرز جانب آخر يتعلق بغياب البيانات السابقة عن المستخدمين الجدد. فالعديد من المستهلكين في المنطقة لا يزالون في بداية مراحل التعامل مع بعض المنصات، ولا يملكون سجلات مشتريات عليها. إلا أن تفاعلهم يبدأ منذ الجلسة الأولى؛ إذ تكفي خمس نقرات فقط لكي تتيح الأنماط السلوكية المستخلصة من العملاء التنبؤ بتفضيلات المستخدم الجديد بدقة تماثل تقريباً دقة التنبؤ بتفضيلات عميل لديه سجل طويل مع المنصة. ففي عالم يعطي الأولوية للخصوصية، لا يتمثل الهدف في معرفة المزيد عن العميل كشخص، بل في فهم ما يحتاج إليه في اللحظة الراهنة.
ثلاثة خطوات يمكن للمسوقين القيام بها
أولاً، توثيق رحلة العميل كاملة، وعدم الاكتفاء بتسجيل عملية الشراء. فالمنصة الرقمية التي ترصد عمليات الشراء فقط وتتجاهل بيانات مسار التصفح، ستفضي إلى نتائج سلبية. إذ إن عمليات البحث، ومدة التصفح، والفلاتر التي يستخدمها العميل هي أوضح المؤشرات اللحظية على ما يريده فعلاً.
ثانياً، تصنيف العملاء وفقاً لسياق الزيارة، وليس بناءً على بياناتهم الشخصية فقط. ففي أي زيارة، غالباً ما يكون سياقها الحالي بنفس أهمية سجل العميل السابق. لذا ينبغي الاستفادة من المؤشرات السلوكية اللحظية لتحديد نوع الحاجة التي تمثلها جلسة التصفح، حتى قبل إتمام عملية الشراء.
ثالثاً، تخصيص صفحة النتائج قبل تخصيص الإعلان. فالفرصة الأكبر للتأثير لا تكمن في رسائل إعادة الاستهداف، بل في صفحة النتائج التي يتصفحها العميل حالياً. إن وضع المنتج الأكثر ملاءمة لتفضيلات العميل الحالية في مقدمة النتائج يقلل احتمالات مغادرته جلسة التصفح، ويرفع معدل النقر على هذا المنتج إلى أكثر من الضعف. والبيانات اللازمة لتطبيق كل ذلك موجودة بالفعل؛ والسؤال هو ما إذا كانت الشركات تُحسن الاستفادة منها.
نيكولاس باديلا هو أستاذ مساعد في التسويق بكلية لندن للأعمال، ومؤلف مشارك لكتاب “رحلة العميل كمصدر للمعلومات” (مع إيفا أسكارزا، كلية هارفارد للأعمال؛ وأوديد نتزر، كلية كولومبيا للأعمال).
