في أقلّ من عقدٍ من الزمن، أعادت المرأة السعودية كتابة قصّتها بنفسها؛ من البيت إلى قاعات مجالس الإدارة، ومن دورٍ واحدٍ إلى دورين، دون أن تتخلّى عن أيٍّ منهما. وفي اليوم الدولي للأسرة، يبقى السؤال قائماً: ما الذي يتطلّبه فعلاً أن تُمسك المرأة بكلّ هذا متماسكاً في آنٍ واحد؟ وماذا يكلّفها هذا التوازن حقّاً في يومها العادي؟
ارتفعت نسبة مشاركة المرأة السعودية في سوق العمل من 17 بالمئة إلى 36 بالمئة في أقلّ من عقد، في تحوّلٍ وصفه البنك الدولي بأنّه من أسرع التحوّلات التي شهدها أيّ اقتصادٍ في التاريخ الحديث. واليوم، تمتلك المرأة السعودية 45 بالمئة من المنشآت الصغيرة والمتوسطة في المملكة، وهي حاضرةٌ في قاعات مجالس الإدارة، تقود المستشفيات، وتدير الشركات، وتُصمّم المدن. كما أنّها، في الغالبية العظمى من الحالات، تعود إلى أسرتها كلّ مساء، وتحمل معها كلّ ما يستتبعه ذلك.
هذه هي المرأة التي توازن بين بيتها وعملها، وتتميّز في كليهما، وتحمل على عاتقها ما يفوق طاقة أيّ دورٍ منفرد. وهي محور اليوم الدولي للأسرة هذا العام.
بحسب الهيئة العامة للإحصاء (GASTAT)، بلغت نسبة مشاركة المرأة السعودية في القوى العاملة 36.2 بالمئة في الربع الثالث من عام 2024، وهو رقمٌ ما كان ليخطر ببال أمّهاتهنّ حين كنّ في مثل أعمارهنّ اليوم. حدّدت رؤية 2030 هدفاً عند 30 بالمئة، فتجاوزته المرأة السعودية قبل موعده المقرّر بسنوات.
غير أنّ الأرقام وحدها لا تُلامس النسيج اليومي لما يتطلّبه هذا التحوّل فعلاً؛ فالعبء الذهني للأمّ العاملة لا يُختزَل في إحصائية. إنّه يسكن في تلك الساعة التي تفصل بين عودة الأبناء من المدرسة وعشاءٍ لم يُجهَّز بعد، ويسكن في الاجتماع الذي تقوده بينما جزءٌ من ذهنها، في مكانٍ ما، مع طفلها، ويسكن في ذلك الإرهاق الخاصّ الذي لا ينبع من كثرة المهام، بل من الاكتراث التامّ بكلّ تفصيلٍ منها.
كيف يبدو الدعم فعلاً في الحياة اليومية لأمٍّ سعوديةٍ عاملة؟ في عام 2024، مدّدت المملكة العربية السعودية إجازة الأمومة للمرأة العاملة من 10 إلى 12 أسبوعاً، ووسّع برنامج “قُرّة” لرعاية الأطفال إمكانية وصول الأسر العاملة إلى دور الحضانة في مختلف أنحاء المملكة. أمّا مبادرة “مبروك”، وهي إحدى أكبر مبادرات التثقيف الصحّي للأمّهات في المملكة العربية السعودية، والتي تنشط في أكثر من 25 مستشفى بدعمٍ من وزارة الصحة، فتصل إلى ما يقارب 200 أمٍّ جديدة كلّ يوم، مقدّمةً لهنّ إرشادات ما بعد الولادة، ودعم الرضاعة الطبيعية، والاطمئنان إلى أنّهنّ لسن وحدهنّ في خوض هذا الفصل بالذات من الحياة.
وتحضر “Momcozy”، العلامة الأولى عالمياً في مضخّات الثدي القابلة للارتداء والتي اختارتها 5 ملايين أمٍّ حول العالم، شريكاً لمبادرة “مبروك” في المملكة العربية السعودية، حيث يكون للحضور أعظم الأثر: داخل أجنحة المستشفيات، إلى جانب الفرق الطبية، ومع إرشاداتٍ في الرضاعة الطبيعية ومواردَ عمليّةٍ مصمَّمةٍ للقاء الأمّ في الساعات التي تُشكِّل كلّ ما يأتي بعدها.
وانطلاقاً من فلسفتها “Mom-First” القائمة على وضع الأمّ أوّلاً، تتبنّى العلامة نهجاً يقوم على بناء منظومةٍ متكاملةٍ من المعرفة والمجتمع والتكنولوجيا، حيث يُصاغ كلّ منتجٍ، وكلّ شراكةٍ، وكلّ مبادرةٍ، استناداً إلى ما تقوله الأمّهات الحقيقيّات إنّهنّ يحتجن إليه فعلاً: الراحة، والرعاية، والدعم، والمجتمع.
لا تقتصر هذه الفلسفة على المبادرات والشراكات، بل تتمثّل أيضاً في تصاميم العلامة ومُبتكراتها. كانت الأمّ في أيّامها الأولى مع طفلها، حين تستأنف حياتها المِهَنيّة، تجد نفسها أمام خيارين: إمّا أن تتخلّى عن الرضاعة الطبيعية، أو أن تنقطع عن عملها مِراراً في اليوم. أمّا الأدوات المُتاحة في تلك الأيّام، فكانت كأنّها لا تعرف للأمّ موضعاً إلّا الغياب؛ تدفعها إلى أن تهجر مكانها، وتبحث عن غرفةٍ منزوية، وتختفي عن الأنظار.
ثُمّ تبدّل ذلك المنطق. وُلِد جيلٌ جديدٌ من تقنيات الأمومة، ينطلق من فكرةٍ مغايرةٍ تماماً: أن تبقى الأمّ حاضرةً، لا أن تغيب. تقنيةٌ تُرتدى تحت ثيابها العادية، صامتةٌ تكاد لا تُسمع، تستجيب للمسةٍ من هاتفها، صُنعت لتغيب هي عن الأنظار، لا لتُغيِّب الأمّ. خَفِيّةٌ شكلاً، خَفِيّةٌ أثراً، فتلتقي بها الأمّ العاملة بالأمّ المُرضع، ولأوّل مرّة، في امرأةٍ واحدةٍ في لحظةٍ واحدة، دون انفصامٍ بينهما.
قد يبدو هذا تفصيلاً صغيراً أمام كلّ ما تحمله الأمّ السعودية كلّ يوم، لكنّ الحياة تُعاش في التفاصيل الصغيرة.
إنّ الأمّ السعودية اليوم تجمع بين أصالةٍ لم تتبدّل وآفاقٍ لم تكن لجدّتها: حاضرةٌ في قاعة مجلس الإدارة بكلّ كفاءة، وفي غرفة الجلوس بكلّ دفء، تستمدّ من قيمٍ ثابتةٍ جذورَها، ومن إمكاناتٍ جديدةٍ امتدادَها.
يُعدّ اليوم الدولي للأسرة، الذي يُحتفل به في الخامس عشر من مايو من كلّ عام، لحظةً للالتفات إلى ما يُبقي الأسر متماسكةً، لا في صورتها المثالية، بل في واقعها المُعاش. ففي البيت السعودي اليوم، ما يُبقي الأسرة متماسكةً هو هي. وما يُبقيها هي ذاتها متماسكةً، هو كلّ ما بُني إلى جانبها: الأسرةُ، والمجتمعُ، والتكنولوجيا، والثقافةُ التي تعلّمت، ببطءٍ ومحبّة، أن تَسير معها.

