حوار : لطيفة الرشيد
• تشهد أغادير حالياً تحولاً جذرياً يمزج بين هويتها الأمازيغية العريقة وبين الحداثة المعمارية العالمية؛ كيف تعيد المدينة اليوم صياغة مفهوم “الرفاهية” للسائح الباحث عن تجربة تتجاوز مجرد الشمس والشاطئ؟
لعقود مضت، ارتبطت المنطقة بسياحة الشمس والبحر فقط. أما اليوم، فنحن نشهد ولادة سردية أكثر عمقًا ورقيًّا، تُعرَّف فيها الرفاهية بالتجربة لا بالإسراف. وتظل الميزة التنافسية الأبرز لأغادير هي مناخها؛ فمع أكثر من 300 يوم مشمس سنويًا، تقدّم المدينة ما يمكن تسميته بـ«الموثوقية السياحية» التي باتت نادرة عالميًا، ما يسمح بتطوير أنشطة متواصلة على مدار العام: ركوب الأمواج شتاءً، والغولف والاستشفاء في الربيع والخريف، والعطلات العائلية صيفًا.
الرفاهية هنا تجريبية بامتياز؛ تمنح الزائر فرصة لإعادة الاتصال بالذات عبر ممارسة اليوغا أمام المحيط، وركوب الخيل عند الغروب، أو اكتشاف «طريق العسل» وجمعيات الأركان النسائية. إنها رفاهية متجذّرة في المكان، والضوء، والطبيعة، والعمق الثقافي.

• تُعد جهة سوس ماسة الموطن الأصلي لشجرة الأركان النادرة؛ كيف استطاعت المنتجعات الفاخرة في أغادير تحويل هذه الثروة الطبيعية إلى تجربة استشفائية عالمية تنافس أفخم الوجهات الأوروبية؟
شجرة الأركان ليست مجرد مورد بيئي مُسجَّل لدى اليونسكو، بل هي جزء أصيل من الهوية الأمازيغية. المنتجعات الفاخرة في أغادير، مثل «فيرمونت تاغازوت باي»، لم تتعامل مع زيت الأركان كصيحة عابرة، بل حوّلته إلى قصة ثقافية متكاملة. نحن نحصل على الزيت مباشرة من التعاونيات النسائية ومن مؤسسة تارغانت (Targant)، وندمجه في طقوس السبا المستوحاة من تقنيات الأجداد، وكذلك في التجارب الطهوية، مثل «أملو» التقليدي.
ما يميّزنا عن الوجهات الأوروبية هو عنصر «الأصالة»؛ فزيت الأركان هنا ليس منتجًا مستوردًا أو مفهومًا نظريًا، بل إرث حيّ يُنتَج محليًا ويدعم استقلالية النساء الريفيات، ما يمنح التجربة الفاخرة أبعادًا حسّية واجتماعية وإنسانية في آنٍ واحد.
• المطبخ المغربي غني عن التعريف، لكن للمطبخ الأغاديري والسوسي نكهته الخاصة جداً. كيف يتم تقديم هذا التراث الطهوي المحلي بلمسة عصرية لزوار المدينة من النخبة؟
يعتمد المطبخ السوسي على المواسم، والمحيط الأطلسي، والأرض الخصبة. وفي الفنادق الفاخرة، لا يتمثل دورنا في إعادة اختراع هذا التراث، بل في صقله والارتقاء به. في «فيرمونت تاغازوت باي»، لا يقتصر حضور المطبخ السوسي على الأطباق المغربية التقليدية، بل يتغلغل في مختلف مفاهيم المطاعم العالمية داخل المنتجع.
فعلى سبيل المثال، نستخدم «الهريسة» مع الروبيان في مطعم «موريموتو»، ونقدّم في «بيبر مون» بيتزا مستوحاة من نكهات تاغازوت، وحتى في «تابا» نبتكر «بيتزا المسمن». هذا التكامل يجعل الضيف يعيش تجربة انغماس ثقافي متكاملة، حيث تتحول الوجبة من مجرد طعام إلى رحلة استكشافية للهوية المحلية.

• لطالما عُرفت أغادير كوجهة مفضلة لعشاق الغولف بفضل مناخها المعتدل طوال العام. ما الذي يجعل ملاعب أغادير وتغازوت استثنائية وفريدة من نوعها مقارنة بنظيراتها في حوض البحر الأبيض المتوسط؟
إلى جانب المناخ المعتدل الذي يسمح بممارسة الغولف دون انقطاع موسمي، يتميّز غولف تاغازوت بالمشهد الطبيعي الفريد. فملعب «تاغازوت غولف» منحوت داخل تلال مغطاة بأشجار الأركان، ويطل مباشرة على المحيط الأطلسي، ما يخلق حوارًا بصريًا نادرًا بين البحر والجبال لا يمكن تكراره في حوض المتوسط.
كما أطلقنا «كأس فيرمونت للغولف» بالتعاون مع «بورشه»، وهي بطولة دورية تربط بين مراكزنا في مراكش، والرباط، وطنجة، وتاغازوت، لتعزيز مكانة المغرب كوجهة غولف متعددة المحطات، وتحويل الرياضة إلى منصة للتواصل بين رواد الأعمال والنخبة الدولية.
• بعيداً عن المسارات السياحية المعتادة، لو طلبنا منكم ترشيح “تجربة خفية” واحدة في أغادير أو محيطها تمنح الزائر شعوراً بالعزلة الفاخرة والاتصال العميق بالطبيعة، ماذا ستكون؟
أرشّح رحلة خاصة بصحبة مرشد إلى سفوح جبال الأطلس عند شروق الشمس. فعلى بُعد ساعة واحدة فقط من الساحل، يتغير المشهد كليًا إلى تلال مدرّجة، وغابات أركان، وقرى أمازيغية لم تمسّها السياحة الجماعية. يلي المشي لمسافات طويلة فطورٌ تقليدي تحضّره عائلة محلية، ليقدّم للزائر أغلى ما في رحلات الرفاهية اليوم: الصمت، والأصالة، والتواصل الإنساني الحقيقي مع الطبيعة والثقافة في أنقى صورها.

• يتجه قطاع السياحة الفاخرة عالمياً نحو الاستدامة واحترام البيئة. كيف توازن أغادير اليوم بين التوسع في المشاريع السياحية الضخمة وبين الحفاظ على شواطئها البكر ومحمياتها الطبيعية؟
تمثل الموازنة بين التوسع السياحي والحفاظ على البيئة سؤالًا إستراتيجيًا لمشروع «تاغازوت باي»، الذي صُمم منذ البداية وفق معايير استدامة صارمة، وحصل على شهادة الجودة البيئية العالية (HQE). وفي الفنادق الفاخرة، نلتزم بمعايير (Green Globe) وبرامج مجموعة (Accor) للحد من الانبعاثات الكربونية.
نطبق أنظمة ري ذكية، ونمنع استخدام البلاستيك أحادي الاستعمال، ونعتمد على التوريد المحلي لتقليل الأثر البيئي. فالرفاهية اليوم لا تُقاس فقط بجودة الخدمة، بل بمدى مسؤوليتنا تجاه النظام البيئي. مستقبل أغادير مرهون بأن يكون التطوير ذكيًا، ومدروسًا، وواعيًا بحماية الشواطئ وغابات الأركان للأجيال القادمة.


