المرأة السعودية والذكاء الاصطناعي.. شراكة تصنع مستقبل العمل

مقابلة سارة الثويني، مدير حسابات مؤسسات القطاع العام في شركة سيلز فورس

بواسطة mahdia

 

يشهد سوق العمل السعودي تحولًا غير مسبوق تقوده رؤية المملكة 2030، حيث أصبحت المرأة شريكًا أساسيًا في مسيرة التنمية والتحول الرقمي. وفي ظل الثورة المتسارعة التي يقودها الذكاء الاصطناعي، تتوسع آفاق الفرص المهنية لتشمل مجالات جديدة تعتمد على الابتكار والمعرفة. في هذه المقابلة، نتعرف إلى رؤية إحدى القيادات في قطاع التكنولوجيا حول دور الذكاء الاصطناعي في تمكين المرأة السعودية، والمهارات التي يحتاجها المستقبل، وكيف يمكن للتقنيات الذكية أن تعزز ريادة الأعمال، وتدعم التوازن بين الحياة المهنية والشخصية.

  • شهدت المملكة في السنوات الأخيرة زيادة ملحوظة في مشاركة المرأة ضمن سوق العمل. كيف يمكن للذكاء الاصطناعي أن يسهم في تعزيز هذا التقدم وفتح آفاق مهنية جديدة أمام النساء؟

لقد كان من الملهم حقًا أن نشهد هذا التحول ضمن سوق العمل في المملكة. ففي إطار رؤية السعودية 2030، زادت مشاركة المرأة في سوق العمل أكثر من الضعف، ومع التركيز على التحول الرقمي في جميع أنحاء المملكة، أعتقد أن الذكاء الاصطناعي سيستمر في كونه عاملًا محفزًا لتسريع هذا الزخم. ورغم أن الكثيرين لا يزالون في مرحلة التكيف مع التقنيات الجديدة، وما يصاحب ذلك من مخاوف أو حالة من عدم اليقين، إلا أنني عندما أنظر إلى الدراسات الحديثة وإلى تجربتي الشخصية في العمل في هذا القطاع، أرى أنه من المهم أن نفهم أمرًا واحدًا بوضوح، وهو أن الذكاء الاصطناعي لا يهدف إلى استبدال الكفاءات البشرية، وإنما يعمل على تعزيز قدراتها وتمكينها.

نحن في سيلزفورس، نؤمن بمستقبل “المؤسسات المعتمدة على وكلاء الذكاء”، حيث تعمل أنظمة الذكاء الاصطناعي والبشر معًا بسلاسة. وبالنسبة للمرأة السعودية، هذا يعني إمكانية أتمتة المهام الروتينية التي تستغرق وقتًا طويلًا، الأمر الذي يُتيح بالتالي التركيز على التفكير الاستراتيجي والإبداع وبناء العلاقات، وهي مجالات لا يمكن الاستغناء فيها عن الذكاء العاطفي البشري. في الواقع، تُظهر أبحاثنا أن الطلب على هذه المهارات البشرية الفريدة يزداد مع نمو العمل الرقمي، لا العكس.

إضافة إلى ذلك، يُتيح الذكاء الاصطناعي مسارات وظيفية جديدة كليًا، بل ويُنشئ تخصصات جامعية جديدة، مثل تحليل البيانات، وأخلاقيات الذكاء الاصطناعي، وهندسة الأوامر. ومن خلال إتقان هذه التقنيات، فإن مشاركة المرأة السعودية لا تقتصر على سوق العمل فحسب، بل يصبحن جزءًا من قيادة التحول الرقمي الذي يشكل مستقبل الاقتصاد الوطني.

  • ما هي أهم مهارات الذكاء الاصطناعي التي تعتقدين أنها ستكون ضرورية للمرأة السعودية في السنوات القادمة لمواكبة المتطلبات المتغيرة في سوق العمل؟

علمتني رحلتي الأكاديمية من دراسة علوم الحاسوب في جامعة كوين ماري بلندن، وصولًا إلى هندسة النظم المالية في كلية لندن الجامعية، أن التكنولوجيا تتطور بوتيرة متسارعة، لكن ما يضمن استمرارية النجاح المهني هو عقلية التعلم المستمر. وبالنظر إلى المستقبل، ستكون المهارات التقنية مثل فهم نماذج اللغة الكبيرة، وهندسة الأوامر من المهارات الضرورية والأساسية، فالأمر يتعلق بمعرفة كيفية “التفاعل” مع الذكاء الاصطناعي للحصول على أفضل النتائج.

ومع ذلك، ما زلت أعتقد أن أهم المهارات هي المهارات البشرية الفريدة، مثل التفكير التحليلي، وحل المشكلات، والإلمام بالبيانات. فمن الضروري أن نكون قادرين على تقييم المخرجات التي يولدها الذكاء الاصطناعي، والتحقق من دقتها وحياديتها، ومن ثم تحويلها إلى استراتيجية عمل حقيقية قابلة للتنفيذ. 

الأدوات التي نستخدمها اليوم ستتغير غدًا، لذلك فإن عقلية النمو والاستعداد المستمر لاكتساب مهارات جديدة يعتبران من العوامل الرئيسية التي ستحافظ على تنافسية المرأة في سوق العمل مستقبلًا.

وما يدعو إلى التفاؤل هو الجدية التي تتعامل فيها المملكة مع هذه المسألة. فالذكاء الاصطناعي أصبح جزءًا من جامعاتنا ومناهجنا الدراسية الوطنية، وليس مجرد أمر ثانوي، وهذا الدمج المبكر هو ما يُسهم في بناء جيل مُؤهل للمستقبل. ولكنني أعود دائمًا إلى نقطة واحدة: لا يقتصر الأمر على تعلم الأدوات فحسب، بل على تبنيها واستخدامها بالشكل الصحيح والمسؤول.

وفي الوقت الحالي، تعتبر المملكة من بين أكثر الدول انفتاحًا على تبني الذكاء الاصطناعي في العالم. ففي مؤشر حديث، أفاد 98% من العاملين في القطاع العام السعودي أنهم يستخدمون الذكاء الاصطناعي في العمل، في حين يستخدمه الثلث يوميًا، وأعرب 95% عن تفاؤلهم بشأن تأثيره، وهي من أعلى نسب التبني عالميًا.

تكمن الفرصة المتاحة للمرأة السعودية في تجاوز مجرد الفضول إلى الإتقان الحقيقي، وتلتزم سيلزفورس بدعم تنمية المهارات الرقمية في المملكة، حيث تعهدت بتطوير مهارات 30 ألف مواطن ومواطنة في السعودية من خلال مبادرات وشراكات، ومن ضمنها تعاوننا الأخير مع جامعة الأميرة نورة.

  • كيف يُمكن للذكاء الاصطناعي أن يُساعد رائدات الأعمال وصاحبات المشاريع الصغيرة على تنمية أعمالهن وتعزيز قدرتهن التنافسية؟

بالنسبة لرائدات الأعمال، يُعدّ الوقت والموارد من أكثر الأمور قيمة وأهمية. وهنا يأتي دور الذكاء الاصطناعي الذي يشكل عامل تمكين حقيقي، حيث يُمكّن المشاريع الصغيرة من الوصول إلى إمكانيات كانت متاحة للشركات الكبرى فقط. ومن خلال منصات مثل Agentforce من سيلزفورس، يمكن لصاحبة المشروع استخدام وكلاء الذكاء الاصطناعي لإدارة خدمات العملاء على مدار الساعة، وتخصيص الحملات التسويقية، وتحليل توجهات السوق والبيانات لحظةً بلحظة.

لكن القيمة الحقيقية، من وجهة نظري، تكمن في الكفاءة، وما توفره من وقت للتركيز على الأولويات. فعندما يتولى الذكاء الاصطناعي الجوانب الإدارية الروتينية المرتبطة بإدارة الأعمال، تستعيد صاحبة المشروع وقتًا ثمينًا من يومها، وتُعيد توجيه هذا الوقت إلى أمور جوهرية مثل تطوير المنتجات، وبناء علاقات متينة مع العملاء، والتخطيط لمراحل النمو المستقبلية. فبدلًا من الانشغال بالتفاصيل الصغيرة والعمليات اليومية، يُمكنها أخيرًا التركيز على تطوير مشروعها بدلًا من مجرد إدارته. إن هذا التحول، من الأعمال الروتينية إلى القرارات ذات القيمة العالية، هو ما يجعل الشركات الصغيرة قادرة على المنافسة حقًا، وهو ما يسمح للمؤسس بالتوسع دون الحاجة إلى زيادة التكاليف التشغيلية بالوتيرة ذاتها.

  • كيف يُمكن للذكاء الاصطناعي أن يُساعد المرأة على تحقيق توازن أفضل بين حياتها المهنية والشخصية، وخاصة في ظلّ المسؤوليات المتعددة التي تواجهها الكثير من النساء العاملات؟

يُمثّل تحقيق التوازن بين الطموحات المهنية والمسؤوليات الشخصية والعائلية تحديًا كبيرًا تواجهه العديد من النساء. وهنا تبرز أهمية الذكاء الاصطناعي باعتباره “مساعد رقمي ذكي” يساعد في تبسيط المهام وتوفير الجهد. فمن خلال دمج الذكاء الاصطناعي في بيئة العمل، يُمكن تقليل الوقت المُستغرق في المهام الإدارية المُتكررة بشكل كبير، سواءً أكان ذلك كتابة رسائل البريد الإلكتروني، أو تلخيص التقارير المطوّلة، أو تنظيم الاجتماعات وإدارة الجداول.

عندما يتولّى الذكاء الاصطناعي المهام الروتينية، فإنه يُوفّر لنا الوقت. فهو يُتيح لنا أن نكون أكثر إنتاجية وتركيزًا خلال ساعات العمل، ما يعني بالتالي أننا نستطيع الانفصال تمامًا عن العمل عند انتهاء يوم العمل. نحن نؤكد في سيلزفورس أن الذكاء الاصطناعي مُصمّم لجعل العمل أسرع وأكثر كفاءة، ولكن الهدف الأسمى هو تحسين تجربة الإنسان. وبالنسبة للنساء العاملات، يعني ذلك تحقيق توازن وانسجام صحي ومستدام بين حياتنا المهنية وحياتنا العائلية.

  • ما هي الرسالة التي تودين توجيهها إلى الشابات السعوديات الراغبات في بناء مسيرة مهنية في مجال التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي؟

عليكِ أن تبدأي فورًا. لستِ بحاجة إلى معرفة كل شيء مسبقًا، وبالتأكيد لستِ بحاجة إلى الانتظار حتى تشعري بأنكِ “مستعدة تمامًا”، فأنا لم أشعر بذلك أبدًا. عندما بدأتُ دراسة علوم الحاسوب، كنتُ في كثير من الأحيان واحدة من عدد قليل جدًا من النساء في القاعة، وما تعلمته هو أن الشعور بعدم الارتياح في البداية يتلاشى أسرع بكثير مما تتوقعين.

نحن نعيش في واحدة من أكثر الفترات أهمية بالنسبة للشابات السعوديات العاملات في مجال التكنولوجيا. فالفرص المتاحة حاليًا لم تكن موجودة قبل عقد من الزمن، كما أن المملكة تستثمر بشكل كبير في إعداد وتأهيل الكفاءات النسائية من خلال الجامعات والمبادرات والبرامج والشراكات التي تستهدف تدريب وتمكين آلاف النساء في المجالات الرقمية والتقنية.لذلك كوني فضولية، واطرحي الأسئلة، ولا تدعي سرعة تطور الذكاء الاصطناعي تخيفكِ، فالحقيقة أن لا أحد يمتلك جميع الإجابات، ونحن جميعًا نتعلم ونتطور باستمرار مع هذه التقنيات.وتذكري هذا: لا يحتاج هذا القطاع إلى مهاراتكِ التقنية فحسب، بل يحتاج إليكِ أنتِ، إلى رؤيتكِ الخاصة، وطريقة تفكيركِ، وحكمتكِ، وتجاربكِ المختلفة. هذا ما سيضمن أن تكون التكنولوجيا التي نبنيها أكثر عدالة وشمولًا وإنسانية. أنتِ لا تنضمين إلى هذا المجال فحسب، بل تساهمين في تشكيل مستقبله للنساء اللواتي سيأتين بعدكِ.

 

اخبار ذات صلة