الدكتورة نادية نجاري

بواسطة khalid al rasheed

 

حوار خاص:

1 تتساءل الكثير من النساء في الثلاثينات عمّا إذا كان من الأفضل التفكير في تجميد البويضات في وقت مبكر. ما نصيحتك؟

إن الخطوة الأكثر أهمية هي أن تتعرّف المرأة على وضع خصوبتها في وقت مُبكر، بدلاً من الانتظار حتى تظهر مشكلة أو صعوبة. فالعمر يلعب دوراً أساسياً في عدد البويضات وجودتها، ولذلك فإن تجميد البويضات في سن أصغر يمنح المرأة غالباً فرصاً وخيارات أوسع في المستقبل. ولتبسيط الفكرة، أشرح عادةً أنه في سن الثلاثين قد تحتاج المرأة إلى عددٍ أقل بكثير من البويضات للحصول على جنين سليم مقارنةً بما قد يتطلّبه الأمر في سن الثامنة والثلاثين أو الثانية والأربعين. ولهذا فإن التجميد المُبكر يساعد على الحفاظ على جودة البويضات قبل أن تتأثر بالتقدم في العمر.

ومن المهم أيضاً إدراك أن تجميد البويضات لا يعني بالضرورة الالتزام باستخدامها أو الخضوع للعلاج لاحقاً، بل هو ببساطة وسيلة للحفاظ على الخيارات المتاحة. وكثير من النساء يشعرن بطمأنينة أكبر لمجرد معرفتهن أن هذا الخيار لا يزال قائماً، وهو ما يُخفف الضغط المرتبط بتوقيت الإنجاب واتخاذ القرارات المُتعلقة بالخصوبة.

2 هل يقتصر الحفاظ على الخصوبة على النساء اللواتي يؤجلن الأمومة، أم هناك ظروفاً أخرى يصبح فيها الأمر مُلحّاً؟

ليس بالضرورة أن يكون الدافع هو مُجرد تأجيل الأمومة، ففي الواقع، يُعد السبب الأكثر شيوعاً اليوم لتفكير النساء في تجميد البويضات هو أن كثيرات منهن لم يعثرن بعد على الشريك المناسب. فالعديد من النساء في أوائل الثلاثينيات أو منتصفها يرغبن في تكوين أسرة، لكنهن في الوقت نفسه لا يرغبن في أن يُقيّد عامل الساعة البيولوجية خياراتهن بينما لا تزال حياتهن في طور التبلور.

في مثل هذه الظروف، يُمكن أن يمنح تجميد البويضات قدراً من الطمأنينة والمرونة، لأنه يسمح بالحفاظ على البويضات وهي ما تزال في حالة جيدة، ما يُتيح فرصاً أوسع مستقبلاً عندما يحين الوقت المناسب.

كما أن فهم الحالة الفردية للخصوبة يُعد عاملاً أساسياً في اتخاذ قرارات مدروسة. ولهذا أنصح غالباً بأن تبدأ النساء بفحص مخزون المبيض عبر فحوصات مثل مستوى الهرمون المضاد لمولّر (هرمون AMH)، إلى جانب قياس عدد الجريبات الظاهرة في التصوير بالموجات فوق الصوتية (Antral Follicle Count – AFC)، إذ يُعد هذان المؤشران من أكثر العلامات موثوقية لتقييم احتياطي المبيض.

ويُفرز هرمون AMH من خلال الخلايا الحبيبية المحيطة بالبويضات الصغيرة التي تبدأ في النمو لدى المرأة، وهو يلعب دوراً في تحديد أي بويضة ستواصل التطور وبأي وتيرة. ويُمكن متابعة هذا المؤشر ابتداءً من منتصف العشرينيات، ويفضل قياسه بصورة دورية، غالباً مرة سنوياً، لأنه يوفر معلومات بالغة الأهمية عن احتياطي المبيض. وإذا أظهرت النتائج أن هذا المخزون أقل من المتوقع بالنسبة للعمر، فقد يكون ذلك دافعاً واضحاً للتفكير في تجميد البويضات في وقت مُبكر.

3 كيف تفهمين مفهوم الرعاية المُخصّصة في علاج الخصوبة، وماذا يعني عملياً لكل حالة؟

يبدأ التخصيص الحقيقي في رعاية الخصوبة من الإقرار بأن تجربة كل شخص مختلفة. فلكل شخص خصائص بيولوجية خاصة، وتاريخ طبي مختلف، وظروف حياتية خاصة، لذلك لا يُمكن الاعتماد على نهج واحد يُطبّق على الجميع.

وتنطلق الرعاية الفردية من فهم هذه العوامل بدقة؛ بدءاً من تقييم مخزون المبيض وجودة البويضات، مروراً بصحة الحيوانات المنوية والعوامل الجينية، وصولاً إلى الحالة الصحية العامة. وعلى أساس هذه المعطيات يتم تصميم خطة علاجية ملائمة لكل حالة على حدة.

كما أن تحقيق هذا المستوى من التخصيص يعتمد على عملٍ جماعيٍ مُتكامل؛ حيث يتعاون الأطباء واختصاصيو الأجنة والممرضون ومنسقو الرعاية معاً لوضع مسارات علاجية ودعم مُصممة خصيصاً لكل مريض، بدلاً من اتباع بروتوكول موحد للجميع.

وعندما تُبنى الرعاية انطلاقاً من الاحتياجات الطبية والشخصية للمريض، يصبح العلاج أكثر وعياً ووضوحاً، ويكتسب معنى أكبر بالنسبة للأشخاص الذين يمرون بهذه الرحلة.

4 غالباً ما تؤكدون على أهمية العناية بالإنسان ككل. لماذا يُعدّ هذا النهج مهماً في مجال علاج الخصوبة؟

ذلك لأن الخصوبة لا تعمل بمعزلٍ عن بقية جوانب الحياة، فهي لا تتأثر بالبيولوجيا الإنجابية وحدها، بل ترتبط أيضاً بعوامل متعددة مثل نمط الحياة والتغذية ومستوى التوتر والعلاقات والصحة العامة.

في مركز “أمنية” نطلق على هذا المفهوم اسم “العناية بالإنسان بالكامل”، إذ نؤمن بأن علاج الخصوبة لا ينبغي أن يقتصر على التركيز على الجهاز التناسلي فقط. فهذه العوامل الأوسع قد تؤثر في جودة البويضات والحيوانات المنوية، كما قد تؤثر في فرص انغراس الجنين، وفي كيفية في استجابة الجسم للعلاج.

لذلك نحرص دائماً على النظر إلى الصورة الكاملة. فإلى جانب الرعاية الطبية، نعمل مع المرضى على تحسين الجوانب الصحية ونمط الحياة التي يُمكن أن تدعم الخصوبة، مع الاهتمام أيضاً بالجانبين العاطفي والنفسي لهذه الرحلة.

وعلاج الخصوبة تجربة شخصية عميقة؛ وعندما يشعر المرضى بأنهم مفهومون ويحظون بالدعم والرعاية كأشخاص متكاملين، تصبح التجربة بأكملها أفضل، وغالباً ما تنعكس هذه المقاربة إيجاباً على النتائج أيضاً.

5 قد يبدو نهج علاجات الإخصاب (IVF) مُقلقاً أو معقّداً للبعض. كيف تشرحون ببساطة ما الذي يهدف هذا العلاج إلى تحقيقه؟

أحرص دائماً على طمأنة المرضى بأن علاجات الإخصاب ليست مُعقدة أو مخيفة كما قد تبدو في البداية. ففي معظم الحالات تكون الإجراءات بسيطة نسبياً وتتم تحت إشراف دقيق، وبالنسبة لكثير من الأشخاص تمثل هذه الخطوة بداية إيجابية في طريق تحقيق تكوين الأسرة.

وفي جوهرها ، تقوم هذه العلاجات بمساندة العملية الطبيعية من خلال زيادة عدد الفرص المتاحة. ففي الدورة الطبيعية تنتج المرأة عادةً بويضة واحدة، بينما نقوم في تحفيز المبيضين لإنتاج عدة بويضات، لأن زيادة عدد البويضات تعني زيادة فرص النجاح. وبعد ذلك يتولى المختبر جمع البويضة والحيوان المنوي ومتابعة تطور الأجنة.

والغاية من ذلك ليست الإكثار من العلاجات دون داعٍ، بل توظيف التقدّم العلمي بشكل مدروس لمنح المرضى أفضل فرصة ممكنة لتحقيق حلمهم بتكوين أسرة.

6 ما مدى أهمية جودة الأجنة والعوامل الجينية في تحسين النتائج؟

يُعدّ هذان العاملان بالغا الأهمية، لأن نجاح علاج الخصوبة لا يتوقف على مرحلة سحب البويضات فقط، بل يعتمد أيضاً على كل ما يحدث بعد ذلك. فالمختبر يلعب دوراً محورياً في متابعة تطور الأجنة، كما تُتيح الفحوصات الجينية الحديثة إمكانية تقييم صحة الأجنة وتحديد أيّها يمتلك أعلى فرصة لنجاح الحمل.

وتُساعد الاختبارات الجينية في معرفة ما إذا كان الجنين يحمل العدد الصحيح من الكروموسومات، وهو عامل أساسي لنجاح الانغراس والتطور السليم للحمل. وعندما يتم اختيار الجنين الذي يتمتع بأفضل ملف جيني، تزداد فرص الانغراس وحدوث حمل ناجح، وفي النهاية ولادة طفل بصحة جيدة.

لهذا نُركز دائماً على الجودة وليس على العدد فقط. فالاختيار الدقيق في كل مرحلة؛ سواء في البويضة أو الحيوان المنوي أو الجنين، يساهم في اتخاذ قرارات علاجية أكثر دقة، وغالباً ما يُساعد المرضى على تحقيق النجاح بعد عدد أقل من المحاولات وبمسار علاجي أقل إرهاقاً من الناحيتين الجسدية والنفسية.

7 ما أبرز المفاهيم الخاطئة لدى المرضى عادةً عند الاستفسار عن إ علاجات الإخصاب ؟

من أكثر المفاهيم الخاطئة شيوعاً الاعتقاد بأن نتيجة هذه العلاجات مسألة بسيطة ومباشرة: إما أن يحدث الحمل أو لا يحدث. لكن الحقيقة أن علاج الخصوبة هو مسار يتقدّم تدريجياً عبر مراحل متعددة.

تبدأ هذه الرحلة بفهم الجوانب البيولوجية الأساسية، مثل عدد البويضات وجودتها، وجودة الحيوانات المنوية، وإمكانية تكوّن جنين سليم. وكل مرحلة تؤثر في المرحلة التي تليها؛ فليس كل بويضة تُخصّب، وليس كل جنين يكون سليماً من الناحية الجينية. ودور هذه العلاجات هو مرافقة المرضى خلال هذه المراحل المختلفة والعمل على تحسين فرص النجاح في كل خطوة.

والجانب الإيجابي أن العلم والتكنولوجيا شهدا تطوّراً كبيراً خلال السنوات الأخيرة. فقد أتاحت التقدمات في علم الأجنة والفحوصات الجينية وتقنيات المختبر إمكان اتخاذ قرارات أدق بكثير مما كان ممكناً في الماضي، وهو ما ساهم في تحسين النتائج بشكل ملحوظ.

ومهمتنا هي الجمع بين هذا التقدم العلمي وتقديم إرشاد واضح وصادق، لمساعدة المرضى على فهم طبيعة بيولوجيتهم وفرصهم الواقعية والخيارات المتاحة لهم. فالرعاية الجيدة في مجال الخصوبة ينبغي أن توفر للناس وضوحاً ودعماً طوال هذه الرحلة، بدلاً من تقديمها كأنها مجرد نتيجة ثنائية بسيطة.

8 ما الذي تتمنين لو أدركته النساء في وقت أبكر بشأن الخصوبة؟

أتمنى لو أن كثيراً من النساء يدركن في وقت مبكر مدى أهمية عامل الزمن، وأن الاطلاع على معلومات الخصوبة في مرحلة مبكرة يمنحهن ببساطة نطاقاً أوسع من الخيارات في المستقبل.

ولهذا أرى أن التوعية تلعب دوراً بالغ الأهمية. فالمسألة لا تتعلق بإخافة النساء أو دفعهن نحو العلاج، بل بمساعدتهن على فهم بيولوجيتهن بشكل أفضل، والتعرّف إلى الخيارات المتاحة أمامهن، واختيار ما يناسبهن في التوقيت الذي يتماشى مع حياتهن.

فأفضل رعاية في مجال الخصوبة لا تقتصر على الإجراءات الطبية أو الدورات العلاجية فحسب، بل تقوم أيضاً على توفير الوضوح والثقة للناس، ومنحهم مساراً مدعوماً يساعدهم على المضي قُدُماً.

اخبار ذات صلة