دور الشبكات المهنية المتينة في مساعدة السيدات على تخطي العقبات في ريادة الأعمال

العلاقات الموثوقة تسهم في تعزيز الشعور بالثقة لدى السيدات في مشاريعهنّ التجارية

بواسطة khalid al rasheed

 

بقلم راينا إيه براندز، الأستاذة في كلية الإدارة بكلية لندن الجامعية؛ وإزجي أوزغوموس، أستاذة مساعدة في الإدارة في كلية ستيرن بجامعة نيويورك أبوظبي؛ وأنيتا راتان، أستاذة السلوك التنظيمي في كلية لندن للأعمال

يشهد الشرق الأوسط ارتفاعاً ملحوظاً وسريعاً في عدد رائدات الأعمال، ففي الوقت الراهن، تمتلك السيدات أكثر من 45% من الشركات الصغيرة والمتوسطة في المملكة العربية السعودية. أما في دولة الإمارات، فيكشف تقرير صادر عن مجلس الإمارات لسيدات الأعمال أن السيدات يشكّلن نحو 18% من إجمالي رواد الأعمال. ورغم أن المجال ما يزال مفتوحاً لتحقيق مزيدٍ من النمو، فإن هذه الأرقام تعكس وجود قاعدة قوية ومتنامية من المشاريع التي تقودها النساء، مدعومةً بمنظومة ريادية تزداد نشاطاً وتطوراً. وعلى الرغم من هذا النمو السريع، ما تزال رائدات الأعمال في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا يواجهن العديد من العقبات، كما هو حال نظيراتهنّ في مناطق كثيرة من العالم.

وعلى مستوى العالم، ما يزال الوصول إلى رؤوس الأموال تحدياً واقعياً أمام رائدات الأعمال. ويكشف بحثٌ قمنا بإجرائه عن تأثير عامل آخر في مسارات النساء الريادية؛ يتمثل في حالة التفاعل بين شبكاتهنّ الاجتماعية، التي توفّر موارد ملموسة مثل التمويل والمشورة والثقة والمساندة المعنوية، وبين الهواجس المرتبطة بالصور النمطية السائدة حول عمل المرأة في ريادة الأعمال.

شبكة العلاقات المهنية عنصر جوهري في ريادة الأعمال

درجت العادة على اعتبار ريادة الأعمال مشروعاً خاصاً بصاحبه ومعزولاً عن المؤثرات الخارجية، إلا أن نجاح الأعمال يعتمد في الحقيقة على قدرة الوصول إلى الموارد والمعلومات ومقومات الدعم المطلوبة؛ وهي عناصر يتم تأمينها من خلال الشبكات الاجتماعية. ويشير مفهوم الشبكة المغلقة إلى مدى تداخل العلاقات القائمة ضمن الشبكة الخاصة بشخص ما، حيث يكون معظم أعضاء الشبكة على معرفة ببعضهم البعض، بما يسمح لهم بتأسيس دائرة موثوقة من العلاقات المهنية البنّاءة. ويمكن لهذه المنهجية أن تسمح بتعزيز الدعم وتسهيل تبادل المعلومات الحساسة، وهو أمر بالغ الأهمية في عالم الشركات الناشئة الذي يتسم بدرجة عالية من المخاطر. أما في الشبكات المفتوحة، فيحصل الأفراد على مزايا مختلفة تتمثل في الوصول إلى الأفكار والفرص الجديدة، والتعرف على أفراد آخرين.

ورغم أهمية هذه الشبكات بالنسبة لرواد الأعمال، فإن بناءها يندرج بين أبرز التحديات التي تواجههم. وتعاني السيدات أكثر من غيرهن في هذا المجال، حيث ينتابهن القلق من التعرض إلى التمييز أو التقليل من قدراتهنّ. يُطلق على هذه التجربة اسم “تهديد الهوية الاجتماعية”، ويمكن أن تُفضي إلى زعزعة الثقة والطموح والمثابرة لدى رائدات الأعمال، بسبب الصورة النمطية السائدة حول إمكانات المرأة. وبالنسبة لمنطقة الشرق الأوسط، فإنها تشهد تحولاً فعلياً في هذا الخصوص، حيث يترافق النضج المشهود في منظومة ريادة الأعمال مع الإدراك المتنامي لقدرة السيدات على تعزيز القيمة في القطاع، من خلال عملهنّ في مجالات الابتكار وتأسيس وقيادة الشركات. هذا الواقع الجديد يسمح لرائدات الأعمال بأداء أدوارٍ متنامية في إرساء مستقبل القطاع على مستوى المنطقة، بدعمٍ من الهيئات الحكومية والمستثمرين، إلى جانب المؤسسات التي تعمل على توسيع المجال أمام المرأة لإطلاق مشاريع ناجحة وتنميتها.

الشبكات التي تمكّن السيدات في ريادة الأعمال

سلطت الدراسة الضوء على تأثير هيكلية الشبكات الخاصة برواد الأعمال في تجارب إنشاء المشاريع. وشمل الاستبيان 150 رائد ورائدة أعمال في المراحل المبكرة لتأسيس الشركات، حيث قمنا بإجراء مسحٍ لشبكاتهم المهنية وقياس مدى ترابط العلاقات داخلها. وتكشّفت الدراسة عن نتائج لافتة، حيث أسهمت الشبكات المهنية المتداخلة وشديدة الترابط في الحد من شعور السيدات بالقلق حيال الصورة النمطية السائدة عن عملهنّ في هذا المجال، في حين لم تؤثر هيكلية هذه الشبكات على تجارب الرجال من رواد الأعمال. وبقي هذا الأثر قائماً حتى بعد أخذ عوامل أخرى في الحسبان، مثل حجم الشبكة والخبرة السابقة ونوعية الأعضاء داخل الشبكة. وباختصار، شكّل الترابط الإجمالي للشبكة المهنية العامل الحاسم بالنسبة للسيدات، وليس مجرد وجود أفراد داعمين.

بعد ذلك، اختبرنا أسباب هذا التأثير عبر تجربة شملت نحو 500 رائد أعمال. وأفاد المشاركون الذين كانت شبكاتهم أكثر ترابطاً بوجود مستويات أعلى من الثقة في علاقاتهم المهنية. وقد أسهمت هذه الثقة بدورها في تقليل مخاوف النساء من التقييم غير العادل، في حين لم يظهر تأثير مماثل لدى الرجال. ولم تتأثر هذه النتائج بالعوامل المحتملة الأخرى، مثل الشعور بمزيدٍ من الراحة أو الثقة في الهوية الشخصية. وخلاصة القول: إن الشبكات المتماسكة تعزّز الثقة، وبالتالي فإنها تسهم في حماية رائدات الأعمال من الضغوط النفسية الناتجة عن تأثيرات الصورة النمطية، خصوصاً في المراحل الحساسة من بناء المشاريع. وبذلك، تستطيع السيدات داخل هذه الشبكات المتماسكة والموثوقة التركيز بصورة أكبر على تحقيق أهدافهن التجارية، دون الخوف من التعرض للتحيز أو الأحكام المسبقة.

تداعيات هذه النتائج على منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا

تشير هذه النتائج إلى آثار بالغة الاهمية على رائدات الأعمال في المنطقة، حيث تشهد منظومة ريادة الأعمال تطوراً سريعاً، لا سيما في ظل التوجه المتزايد من قبل الحكومات والمؤسسات نحو تمكين المرأة وتعزيز مشاركتها الاقتصادية. ولكنّ الانفتاح تجاه تفعيل الدور الأنثوي لا ينفي وجود بعض العوائق البنيوية والتحديات القائمة على الأعراف الثقافية. وفي هذا السياق، تُعد شبكات العلاقات المهنية التي تبنيها السيدات بمثابة سلاح ذو حدّين، فهي قد تشكّل طوقاً للنجاة أو لإرساء مزيدٍ من التقييد.

وهنا تبرز أهمية تحقيق التوازن بين قوة الروابط بين شبكة العلاقات الأنثوية وفرص توسيعها لتحقيق الاستفادة القصوى من إمكانات رائدات الأعمال. وهذا يعني تهيئة بيئات مثالية تشعر فيها المرأة بالأمان للتفاعل مع شبكات أوسع وأكثر تنوعاً دون القلق من التعرّض إلى التمييز على أساس النوع الاجتماعي، وتتيح لها مواجهة الانحياز الواعي أو التلقائي ضد الأنثى باعتباره يغذّي القلق المرتبط بالهوية الاجتماعية في المقام الأول.

تمهيد الطريق نحو شبكة علاقات أكثر شمولية

ثمة العديد من الإجراءات التي يمكن تطبيقها لتعزيز شبكات مهنية أكثر شمولية وتمكيناً للسيدات في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، يبرز منها ثلاثة نقاط محورية، تشمل الأولى ضرورة إيلاء المنظمات وصنّاع السياسات اهتماماً رئيسياً للحد من التحيّز ضدّ المرأة، وهذا لا يقتصر على تطبيق سياسات رسمية لمكافحة التمييز فحسب، بل يشمل أيضاً بذل جهود فعّالة من شأنها إرساء ثقافات مجتمعية شاملة. كما ينبغي تصميم برامج الإرشاد وفعاليات التواصل وحاضنات الأعمال بطريقة تراعي التحديات الاستثنائية التي تواجهها السيدات، مما يضمن لجميع المشاركات في الشبكات المهنية الشعور بالتقدير والاحترام. وتشير أبحاثنا إلى قدرة هذه البرامج على إحداث تأثير إيجابي في حال تم تصميمها وفق منهجية تجمع السيدات معاً ضمن بيئة تشجعهنّ على تطوير شبكة علاقات أكثر ترابطاً.

ويضمّ الإجراء الثاني تشجيع الرجال للوقوف إلى جانب المرأة، ومشاركتها أعباء مواجهة هذا الانحياز الفكري ضدها، إذ يمكن للقادة والزملاء من الرجال أن يلعبوا دوراً مهماً في هذا المجال، من خلال الدعوة إلى الشمولية، وتحدّي الصور النمطية، وفتح آفاق جديدة نحو التشاركية. فعندما يمارس الرجال نفوذهم لتفعيل مشاركة المرأة في شبكات متنوعة تعمّ الفائدة على منظومة الأعمال بأكملها.

أمّا الإجراء الثالث، فيتمحور حول ضرورة تطوير شبكات العلاقات الخاصة بالسيدات، إذ ينبغي الاستفادة من دوائر العلاقات المغلقة لتتحوّل من مصدر دعم أساسي للمرأة إلى نقطة انطلاق نحو مشاركة أوسع، وبالتالي تفعيل هذه الدوائر الموثوقة كمحرّك يدفع نحو بناء علاقات مع جهات اتصال جديدة واستكشاف فرص التعاون بين القطاعات والوصول إلى موارد غير مستغّلة.

دعوة إلى المبادرة

لا تقتصر العوائق التي تواجه رائدات الأعمال على الجوانب الخارجية فحسب، بل تنبثق أيضاً من نسيج التفاعلات الاجتماعية والشبكات المهنية. وتتمثّل نقطة الانطلاق في تفكيك هذه الحواجز الخفية من خلال فهم ديناميكيات انغلاق الشبكات واستيعاب التهديد المرتبط بالهوية الاجتماعية.

ويتطلّب تمكين رائدات الأعمال في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا إجراءات تتجاوز إطار الاستثمار وتغيير السياسات نحو إجراء تحولات ثقافية تنتصر للتنوّع، وتعزّز الأمان النفسي، وتشجّع السيدات على تجاوز حدود دوائر العلاقات المغلقة. وعندها فقط، يمكن إطلاق العنان للإمكانات الكاملة لريادة الأعمال النسائية ودفع عجلة الابتكار والنمو والازدهار للجميع.

اخبار ذات صلة