بالفنانة بسمة العواضي

جائحة كورونا أعادت الي اكتشاف نفسي

بواسطة khalid al rasheed

 

جدة – صلاح الشريف

في هذه الزاوية نلتقي بالفنانة اليمنية بسمة العواضي الحاصلة على جائزة الفنانين العرب من أتيليه العرب مهرجان ضي الخامس للشباب العربي في مصروالتي تتحدث عن بداياتها قائلة:

منذ طفولتي، شغفت بمختلف أشكال الفن؛ من رسم وخط وتطريز الى فن الكتابة والإلقاء. جرّبت أدوات وخامات متعددة، وخضت تجارب في الشعر والنثر والفنون البصرية والصوتية باحثةً عن المجال الذي يشبهني ويصبح شغفي الحقيقي.

وجاء الإكتشاف في عام 2020، خلال فترة العزل التي فرضتها جائحة كورونا، وجدتها فرصة لاكتشاف ذاتي وسط تحولات وألم كبيرين. حينها تحديت بحر الحياة وقلت لنفسي: «إما أن أكون أو لا أكون». فاحتضنت القلم والألوان، وسرت نحو الفن كان ملاذي الذي يهدّئني ويساعدني على استعادة نفسي وتجاوز ثقل تلك المرحلة.

وعن دخولها مجال الفن أضافت:

لم أدخل عالم الفن من شاطئه الآمن، لم أملك خريطةً أو أدواتٍ تعينني على خوض أعماقه. ألقيت بنفسي في الماء، وتعلمت السباحة وأنا في قلب البحر، مسترشدةً بفضولي ومحاولاتي.

كنت أتعلم ذاتيًا، أجرب وأخطئ وأعود إلى المحاولة.

في البداية، كان الرسم الواقعي طوق نجاتي؛ وجدت في تفاصيله متعةً، وفي ملاحظة العالم تدريبًا لعيني ويدي. لكنني، كلما توغلت أكثر، شعرت برغبة في الابتعاد عن السطح، والبحث عن مساحة لا أنقل فيها ما تراه العين فحسب، بل أعبّر باللون والخط والشكل عما تعجز الكلمات عن قوله.

وهكذا، بينما كنت أظن أنني أتعلم الرسم، كنت في الحقيقة أتعلم شيئًا أعمق: كيف أغوص في داخلي.

وفي عام 2021، وسّعت زيارتي الأولى للمعارض رؤيتي لعالم الفن، فاكتشفت أن ما عرفته لم يكن سوى شاطئه الأول.

ومع تغيّر علاقتي بالواقعية، قادتني رغبتي في التحرر من الشكل المباشر إلى التجريد، حيث تركت المألوف وخضت مياهًا أعمق، مؤمنةً بأن اللوحة لا تحتاج إلى محاكاة العالم كي تعبّر عنه.

ومع هذا الغوص، لم يكن التجريد مجرد أسلوب بصري، بل أصبح مساحة أوسع للبحث والاكتشاف تبعت اللون والخط كما يتبع الغواص خيطًا يقوده إلى أعماق مجهولة

لم تكن الرحلة مستقيمة، كانت فيها تيارات من الحيرة والتجريب والتراجع لكنني كنت أعود في كل مرة لأغوص أكثر، مدفوعةً بفضول يشبه رغبة الغواص في اكتشاف ما تخبئه الأعماق من كنوز وألوان تنساب كالشعاب والمرجان.

وعن مواصلتها طريق الفن تابعت قائلة:

ومع 2024 تراكمت التجارب، بدأت أقترب من لغتي الخاصة برمزية تعبيرية، تحول الفن من شغف إلى وسيلتي للتأمل وقراءة الحياة، وأدركت أنني لم أكن أبحث فقط عن الفن الذي يشبهني، بل كنت، في كل غوصة، أعثر على جزءٍ جديد من نفسي.

وفي ذلك العمق، بدأت ملامح صوتي الفني تتضح؛ لم تعد اللوحة مجرد مساحة أختبر فيها قدراتي، بل أصبحت لغة أعبّر بها عن رؤيتي ومشاعري وأسئلتي. ومع كل عمل، كنت أكتشف أن ما أبحث عنه في الأعماق لم يكن كنزًا فنيًا فحسب، بل صوتي الذي طال انتظاري له.

وعن مشاركاتها الخارجية وفوزها بأول جائزة قالت:

في العام نفسه، قادتني إحدى رحلاتي إلى مصر، حيث شاركت في «مهرجان ضي للشباب العربي»، ضمن مسابقة جمعت فنانين من مختلف أنحاء الوطن العربي. ومع لحظات من الترقب، أُعلن فوزي بجائزة الفنانين العرب كأنني عثرت على لؤلؤة ثمينة في أعماق رحلتي.

وعن شعورها بالجائزة والتحول في مشوارها الفني أضافت بسمة:

كانت تلك اللحظة أشبه بالصعود لسطح البحر بعد غوص طويل؛ رفعت رأسي لأرى المسافة التي قطعتها، لحظة تحوّل أدركت فيها أن تجاربي وتراجعاتي كانت تيارات قادتني إلى هذا العمق وأدركت أن ما بدأ في عزلة غرفتي الصغيرة أصبح له صدى يتجاوزني وأن الصوت الذي رافقني منذ زمن فقد وجد أخيراً مايؤكده لم تمنحني الجائزة اعترافًا بما أنجزته فقط، بل دفعتني لأن أرى رحلتي بعين مختلفة، وأن أواصل البحث عن مساحتي الخاصة في هذا البحر الواسع.

 

ومنذ ذلك الحين، لم يعد السؤال بالنسبة لي: إلى أين أصل؟ بل إلى أي عمق أستطيع أن أذهب؟ فقد صرت أعرف أن لكل عمق كنوزه، وأن بعض اللآلئ لا تظهر إلا لمن يواصل الغوص. وربما لهذا أنظر إلى الساحة التشكيلية اليوم بالروح ذاتها؛ فما نشهده من حراك ودعم متزايد للفن والثقافة يفتح نوافذ أوسع أمام الفنانين، لكنه لا يعني أن البحر قد كُشف كله، فما تزال فيه أعماق لم تُكتشف، ومساحات تستحق أن تتسع للتجارب العصامية والمختلفة، بعيدًا عن أن يكون الحضور أو العلاقات معيارًا لرؤية الفنان ومنجزه.

وعن دور الأسرة في تعزيز طموحها ومواصلة مشوارها قالت:

في خوضي لهذا البحر، أحمل معي أيضًا تجربتي كامرأة؛ بكل ما فيها من أمومة وحياة وطموح ومسؤوليات ومحاولات لا تتوقف. ولم أعد أراها عوائق تفصلني عن فني، بل طبقات من التجربة أضيفها إلى لوحتي، منحتني حساسية أعمق تجاه الإنسان ومشاعره، وجعلتني أؤمن بأن ما نحمله في الحياة، مهما أثقلنا، يمكن أن يتحول في الفن إلى معنى.

وما زال ذلك الصوت القديم يهمس لي من بعيد بأن في الطريق شيئًا ينتظرني؛ لذلك أواصل الرسم، وأمدّ فرشاتي في عتمة اللون كما يمدّ الغوّاص يده نحو المجهول، لا بحثًا عن نهاية، بل عن أعماق جديدة أكتشف فيها المزيد من الفن… والمزيد مني. فلم تكتمل فصول هذه الحكاية بعد، ولا أعرف إلى أي شاطئ ستقودني مياهها، لكنني أعرف شيئًا واحدًا:

أنني أريد أن أرسمها بنفسي.

اخبار ذات صلة